نتابع معًا قصة سيدنا آدم عليه السلام ونزوله الأرض وإغواء الشيطان له، و سيكون تركيزك - أيتها الأم - على تعليم الطفل عدة أمور، منها:
• علم الله عز وجل الأزلي؛ فالله عز وجل يعلم الغيب، ويعلم ما في الصدور.
• قيمة المسلم وكرامته عند الله ليس في الشكل أو المكانة وإنما في إيمانه وعلمه.
• الشيطان هو العدو الأول لبني آدم.
• ضرورة الخوف من المعاصي؛ فقد تكون معصية واحدة سببًا في دخول النار.
• الاستعاذة سلاح المسلم في مواجهة الشيطان عند وسوسته.
• إذا أذنب المسلم فلا بد وأن يسارع إلى التوبة والاستغفار.
 
ملخص ما سبق:
خلق الله عز وجل سيدنا آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس رفض أن يسجد لسيدنا آدم، وتكبر وقال: أنا خير منه، فعاقبه الله عز وجل، بالطرد من رحمته وتوعد إبليسُ آدمَ وذريته بأن يُضلهَّم ليدخلوا النار... فهل سينجح الشيطان في إغواء آدم وذريته؟
 
تعليم الأسماء لآدم:
لما أخبر الله عز وجل ملائكتَه بخلق آدم قالوا في أنفسهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أكرم عليه منا، وإن كان فنحن أعلم منه؛ لأنا خُلقنا قبله، ورأينا ما لم يرَه.[1].
 
فعلم الله عز وجل منهم ما كتموه في نفوسهم، وأراد أن يبيِّن لهم شرفَ آدم وعلمه، فعلّم آدم الأسماء كلها: من جماد، ونبات، وحيوان.
 
فهذا إنسان، هذه دابة، هذا بحر، هذه شمس، هذا جمل، هذه شجرة، وهكذا.
 
وعلمه الله سبحانه وتعالى صنعة كل شيء، ثم قال للملائكة: "أخبروني بأسماء هذه الأشياء"، احتارت الملائكة ولم تعرف الجواب، وقالوا لربنا في خضوع: لا علم لنا يا الله إلا ما علمتنا إياه، أما هذه الأشياء فلا نعرف أسماءها، فقال الله لسيدنا آدم: "يا آدم، أخبرهم بأسماء هذه الأشياء، فأخبرهم سيدنا آدم بأسماء كل شيء"، وهنا ظهر علم آدم عليه السلام وشرفه وفضله أمام الملائكة، وأراد الله تعالى أن تفهم الملائكة أنه علم ما كتموه من الحيرة في فهم حكمة الله في خلق آدم، وما قالوه في أنفسهم أنهم أكرم وأعلم من آدم، وعلمت الملائكة فضل آدم عليه السلام وشرفه وقدره العظيم عند الله هنا تقول الأم بانبهار وتعظيم: أرأيت يا بني قدرةَ الله عز وجل، وكيف أنه يعلم الغيب؟ فحتى لو لم ننطق ولم نتكلم بما في صدورنا فالله عز وجل يعلمه، كما علم ما فكرت الملائكة في نفوسهم ولم ينطقوا به، ثم تنظر لابنها وتقول بابتسامة: أتعلم أن الله يعلم ما تفكر به الآن؟ أنا لا أعلم ما تفكر به، ولكن الله عز وجل يعلم، ما أعظم الله عز وجل!.
 
خلق حواء:
عاش آدم في الجنة وحيدًا، لا أنيس له، لا أحد يتكلم معه أو يضحك معه، وفي يوم من الأيام نام سيدنا آدم كعادته وحيدًا حزينًا، فخلق الله أمَّنا حواء من ضلعه الأيسر؛ لتكون زوجةً له، فلما استيقظ رآها فأعجبته[2] فقد كانت امرأة جميلة جدًّا، سعد بها آدم وسعدت به وسكنا معًا الجنة، يتنعمان بها، يأكلان ما شاءا، مترفينِ منعَّمين، لا يتعبان فيها ولا يشتغلان، لا يجوعان ولا يظمأان، ولا يتعران، بل حياتهما جميلة سعيدة هانئة، ونعيم كامل، قال لهم الله عز وجل: تنعما بما شئتما وكلا مما شئتما إلا ]تتوقف الأم هنا قليلاً لتثير انتباه طفلها ثم تكمل[ إلا شجرة واحدة فقط نهى الله عز وجل آدم وحواء أن يقتربا أو يأكلا منها، وأخبرهما أن الشيطان عدو لهما فليحذرا منه.
 
معصية آدم:
مع كل هذا النعيم الذي عاشا فيه حقد عليهما الشيطان، وأراد أن يبعدهما ويخرجهما من هذا النعيم، فهو يكره آدم، ويحسده، ويريد أن يجعله عاصيًا مثله ليدخل النار، فأخذ يفكر ويفكر كيف يجعل آدم وحواء يعصيان الله [تسأل الأم طفلها أتعلم كيف؟ إنها الشجرة، سيحاول الشيطان أن يجعل آدم وحواء يأكلان من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، أتظن أنه سينجح؟].
 
نعم فكّر الشيطان في حيلة ليجعل آدم وحواء يأكلان من الشجرة، فقال لهما: ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين من الملائكة، أو تكونا من الخالدين! وأخذ يقسم ويحلف لهما بالله، ويقول: صدِّقاني، أنا أعلم منكما بهذا المكان، وقد خُلقت قبلكما فاستمعا لي، أنا لكما ناصح أمين، وأريد أن تخلدا في هذا النعيم! [تظهر الأم الأسى وتقول: يا إلهي! هذا الكاذب يحلف بالله كذبًا، ما أقبح معصيتَه! هكذا الشيطان يفعل أي شيء حتى نعصيَ الله عز وجل، يأتي فيزين لك المعصية، ويظهر وكأنه يحب لك الخير مع أنه عكس ذلك؛ فلابد وأن ننتبه؛ فالشيطان أبدًا لا يحب لنا الخير بل هو يكرهنا، ويريد لنا أن نطيعَه حتى ندخل معه النار، تعالوا لنرى ما سيفعل آدم وحواء؟].
 
للأسف نسي آدم عليه السلام عداوة الشيطان له، ونسي أنه يكرهه؛ ولأنه كان طيبًا، ظن أن لا أحد يقسم بالله كذبًا، فقد كان الشيطان ماكرًا خادعًا واستطاع أن يقنع آدم وأمَّنا حواء، أن يأكلا من تلك الشجرة، وبمجرد أن أكلا منها حدث أمر عجيب! [تتوقف الأم وتسأل لتشد انتباه طفلها، ماذا تظن أنه قد حدث؟] بمجرد أن أكل آدم وحواء من الشجرة اختفت الملابس التي عليهما، وأصبحا عاريينِ لا شيء يغطيهما [تسأل الأم أتعلم لماذا أصبحا عاريين؟ وكأنهما حين عصيا الله عز وجل تعرى قلبهما من التقوى والخوف من الله، فأثَّر ذلك على لباسهما فانخلع] [3].
 
لما اختفت ملابسهما أصابهما الذعر واستحيا، وكلٌّ منهما يأخذ من أوراق الجنة ليستر عورته! وفي هذا الوقت ناداهما ربهما معاتبًا: ﴿ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: 22].
 
فقال آدم بحزن: والله يا رب، ما ظننت أن أحدًا يقسم بك كذبًا.
أحس آدم وحواء بعظم المصيبة التي وقعا فيها عندما عصيا الله عز وجل، وكيف أنهما نسيا عداوة إبليس لهما واستمعا لكلامه؟
 
وشعر آدم وحواء بالندم الشديد، واعترفا بالذنب، وقالا بانكسار: "ربنا ظلمنا أنفسنا، وأكلنا من الشجرة التي نهيتنا عنها، وإن لم تغفر لنا يا رب وترحمنا بقبول توبتنا لنكونن من الخاسرين" فغفر الله عز وجل لهما، وتاب عليهما...[تتوقف الأم وتقول باهتمام: الآن الله عز وجل أمر إبليس بالسجود فعصى ولم يسجد، وأمر آدم ألا يأكل من الشجرة فعصى وأكل منها، كلاهما أذنبا ومع ذلك غفر الله لآدم وتاب عليه، ولم يغفر لإبليس وطرده من رحمته، فكيف ذلك؟ تستمع الأم لإجابات طفلها بصبر، ثم تجيب، الفرق بينهما: أن إبليس لما عصى الله استكبر ولم يطلب المغفرة من الله، ولكن آدم لما عصى الله اعترف بذنبه وندم واستغفر وتاب إلى الله، ومن يتب إلى الله يتبِ اللهُ عليه ويغفر له، فيا بني، لا يوجد إنسان لا يعصي الله، فكل بني آدم يخطئون، ولكن أكثر من يحبهم الله عز وجل الذين إذا أذنبوا تابوا إلى الله سريعًا، وقتها يتوب الله عليهم ويغفر لهم؛ لأن ربنا الرحيم يحب التوابين والمستغفرين، وتسأله: إذا أذنبت ذنبًا هل ستفعل مثل إبليس فتتكبر؟ أم تكون مثل آدم فتستغفر الله؟].
 
نزول آدم إلى الأرض:
بعد أن أكل آدم وحواء من الشجرة أخرجهم الله عز وجل جميعًا من الجنة، (آدم - وحواء - وإبليس)، وقال: اهبطوا إلى الأرض، فعيشوا فيها جميعًا بعضُكم أعداء لبعض، فآدم حزين ومنكسر بسبب خروجه من الجنة ويتمنى العودة إليها بشوق، وتأكد أن إبليس هو عدوه الأول، وفي المقابل إبليس سيحاول بكل الطرق أن يحرم بني آدم من الجنة، ويكون سببًا في دخولهم النار؛ ليكسب التحدي الذي تحدى به ربه.
 
وأخبرهم الله عز وجل أنه سيبعث لهم الأنبياء والرسل وسيُرسل إليهم الكتب، فمن أطاع الأنبياء وصدقهم وعمل بطاعة الله فسيدخل الجنة، ومن يكفر بهم ويكذبهم ويعصي الله فسيدخل النار.
 
وفي الأرض اختلف الأمر تمامًا عن الجنة؛ في الجنة كانا منعمَيْنِ، يأكلان ويشربان دون أي مجهود أو تعب، ولكن في الأرض كان على آدم أن يتعب ويشقى؛ ليوفر له ولزوجته الطعام والشراب، في هذه الأرض سيعيش آدم وبنوه، وسيموتون، ثم يبعثهم الله عز وجل للحساب.
 
وبدأت الحياة على الأرض ليكون آدم وذريته خلفاء لله عز وجل على الأرض، لتبدأ المعركة من جديد بين بني آدم وإبليس اللعين! ولكن هذه المرة على الأرض ومعنا سلاحان عظيمان لننتصر في هذه المعركة [تسأل الأم بمكر: أتدري ما هما؟ إنهما سلاحان أعطاهما الله عز وجل لنا نحن البشرَ لنستطيع التغلب على إبليس بكل سهولة، إذا استعملنا هذين السلاحين فهو يضعف ويضعف ولا يستطيع أن يؤذينا أو يضرنا، السلاح الأول هو: "الاستعاذة" فإذا شعرت بني في أي وقت أن الشيطان يزين لك أي معصية فما عليك إلا أن تقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وحينها يبعده الله عز وجل عنك.
 
والسلاح الثاني هو: الاستغفار، فإذا نسيت أن تستعيذ ووقعت في الذنب فلتسارع بالاستغفار، "ثم تضيف الأم بابتسامة: بهذين السلاحين نهزم الشيطان شر هزيمة، ولا يستطيع هو أن يؤذينا وننتصر نحن في هذه المعركة الشرسة.
 
﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾ [الأعراف: 19 - 25]