نَقْعٌ كثير أثارته الروائية البريطانية "جيه كيه رولنغ" (مؤلفة سلسلة هاري بوتر الشهيرة) حينما ألفت رواية "Cuckoo's Call" أو "نداء الوقواق" باسم مستعار مذكّر؛ "روبرت غالبريث". صدرت الرواية، وبيع منها عدد متواضع جدا (3 آلاف نسخة تقريبا) قبل أن تًكتشف الحيلة، وتفضح صحيفة التايمز البريطانية السر. لاشتباه في هوية المؤلف الجديد على الساحة الأدبية جاء من وصف الملابس في الرواية والذي كان دقيقا بشكل لا يحسنه الرجال، كما أن الوكيل الأدبي الذي تتعامل مع رولنغ هو الوكيل نفسه الذي تعامل معه "غالبريث".
رولنغ تقول أنها فعلت ذلك كي تتحرر من التوقعات المسبقة، وتجرّب الكتابة في صنف أدبي جديد (رواية بوليسية)، فتتلقى تعليقات القراء دون تزييف نظرا لمكانتها الأدبية. إلا أنّ بعض الخبثاء لمّحوا أنّ الأمر كله مدبّر، وأن رولنغ فعلت هذا عمدا كي تثير زوبعة وتزيد شعبيتها، وأن كشف هوية مؤلف الرواية جاء بإيعاز منها!
لا يهمنا تمحيص نية رولنغ، بل يهمنا أن نعرف ماذا حدث بُعيد أن عرف الجمهور أنّ روبرت غالبريث هو في الحقيقة الروائية الشهيرة جيه كيه رولنغ. بالنظر إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعا المنشورة في ملحق Saturday Review الصادر عن جريدة التايمز بتاريخ 3 أغسطس 2013، نجد أن رولنغ تصدّرت قائمة الأدب الخيالي Fiction"" ذات الغلاف العادي عن روايتها "The Casual Vacancy" التي كتبتها باسمها الحقيقي، كما أنها تتصدر قائمة كتب التخييل ذات الغلاف السميك بروايتها "نداء الوقواق" التي كتبتها بالاسم المستعار الذي كُشف سره! الرواية التي قبل أن يُعرف أنها مؤلفتها، لم يلتفت إليها أحد.
الأمر يصبح أكثر إيلاما حينما نعلم أن رولنغ -متخفية باسم "غالبيرث"- عانت بعض الشيء في نشر الرواية، فقد رفضتها بعض دور النشر! وبعض دور النشر هذه –حين افتضح الأمر- تجرأ على الاعتراف بذلك، والبعض الآخر آثر الصمت/السلامة. وهذا يشي بأن المعايير في صناعة النشر -حتى في الغرب- ليست عادلة دوما، وأن النجومية والشهرة هي الطريق السريعة للنشر وليست الموهبة.
الطريف أن الترجمة العربية للرواية التي صدرت مؤخرا عن دار نوفل ترجمت عنوان الرواية على أنّه "نداء الكوكو"، رغم أن طائر الكوكو يسمى بالعربية الوقواق. السبب في ذلك على ما يبدو هو وجود رواية عربية بهذا الاسم، في التسعينيات من القرن الماضي ألف الروائي إبراهيم الكوني رباعيّة بعنوان الخسوف، كان العنوان الفرعي للجزء الرابع منها: "نداء الوقواق"!
* * * * *
ولرولنغ حكاية أخرى مع الأسماء المستعارة. فاسمها الحقيقي هو "جوان رولنغ"، وقد عمدت إلى كتابة اسمها بطريقة الأحرف الأولى "جيه كيه رولنغ" بناء على نصيحة ناشرها في بداية حياتها الأدبية، إذ كان يرى أنّ المراهقين لن يقرؤوا رواية من هذا النوع (الأدب العجائبي/الفانتازيا) ومؤلفتها امرأة! فكان الحل باستخدام الأحرف الأولى بدل الأسماء، فلا يعرف القارئ جنس الكاتب. فوضعت الحرف الأول من اسمها "جيه". أما الحرف الثاني من اسمها الأدبي "كيه" استعارته من اسم عائلة والدتها، إذ أنه ليس لها اسم أوسط في الأوراق الرسمية. وهكذا أمكنها بناء اسم أدبي لا يعرف القراء جنس صاحبته.
التاريخ المستعاد للاسم المستعار:
هنا، يحق لفضولنا أن يمد أذرعته. ما قصة الكتّاب مع الاسم المستعار؟
إذا نظرنا إلى الأسماء المستعارة في عالمنا العربي، نجد الأسباب المُفضية إليها متعددة؛ ففي القديم، كانت ألقاب البعض تطغى على أسمائهم كالمتنبي والفرزدق والخنساء وتأبّط شرا، وهي ألقاب أطلقها الناس عليهم. بينما نجد أن هناك من أطلقوا ألقابا على أنفسهم، ألقابا يحبونها وتمثّل لهم شيئا، فشاعت وغابت أسماؤهم عن الذهن مثل أبو العتاهية، وأدونيس، والأخطل الصغير، وبدوي الجبل. وهناك فئة ثالثة اختارت أسماء في بداياتها، ثم تخلت عنها لاحقا مثل كالدكتور غازي القصيبي الذي كان يوقع أشعاره فقي بداية عمره باسم محمد العليني تجنبا لتحفظات العائلة. ويمكن لمن ينقّب في هذا الموضوع أن يجد قائمة طويلة بمن اختاروا أسماء مستعارة في بداياتهم لتكون أنبوبة اختبار، يتخلون عنها متى ما وصولا إلى قبول يرضون عنه، أو مصدّة رياح يهجرونها حينما تسمح ظروفهم بالإفصاح عن هويتهم. وهناك طبعا أدباء حظوا بألقاب إلى جانب أسمائهم كأمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، ورهين المحبسين أبو العلاء المعرّي، وغيرهم كثير.
وفي الغرب، نجد الأسباب ذاتها تقريبا قائمة، فالروائي الشهير "جورج أوريل" واسمه الحقيقي هو "إيريك بلير" كتب باسمه المستعار تجنبا لإحراج عائلته، ثم ذاع صيت الاسم المستعار. وكذلك الشاعر "بابلو نيرودا" الذي لم ترق كتاباته لأبيه، فاختار هذا الاسم المستعار، وحسنا فعل، فاسمه الحقيقي طويل وصعب النطق. ثم اختار نيرودا أن يسجل اسمه المستعار في الأوراق الرسمية ليكون اسمه الرسمي. أما أستاذ الرياضيات الرصين "تشارلز دودجسن"، لم يرد أن يعرف العالم هويته الأدبية، فنشر عمليه الشهير "ألس في بلاد العجائب" باسم مستعار اشتهر به حتى يومنا هذا وهو "لويس كارول". كما يبدو أنه ليس غريبا أن يقوم كثير ممن يكتبون في الصحافة باستخدام اسم أو اسماء مستعارة. وقد استخدم الأديب الشهير "مارك توين" هذا الاسم المستعار لكتابته الصحافية ثم لكتاباته الأدبية، فذاع صيته على اسمه الحقيقي "ساميويل كليمنز" الذي لا يعرفه إلا القليل.
أمّا كاتب أدب الرعب "ستيفن كنغ"، فقد استعمل اسما مستعارا هو "ريتشارد باكمان" إذ لم يرغب ناشره في استنفاد وهج اسمه بنشر أكثر من كتاب في السنة الواحدة. أما "كنغ" فأراد من هذه التجربة أن يعرف هل نجاحه نابع من الموهبة أم الحظ. لقيت كتب "باكمان" إقبالا جيدا، تضاعف مرات عدّة حينما عُرف أن "باكمان" هو "كنغ".
* * * * *
التأنيث لاسم الشمس: من العار إلى الفخر
وإذا نظرنا إلى النساء، أجزم أن هناك فوجا من اللاتي استعملن أسماء مستعارة هربا من ضغوط المجتمع. فنجد مثلا ماري زيادة التي حورت اسمها إلى مي زيادة سعيا للاندماج في مجتمع يغلب عليه المسلمون. لكن زيادة أيضا وقعت أول كتاب لها بالفرنسية باسم مستعار هو "إيزيس كوبيا". والدكتورة عائشة عبد الرحمن التي استخدمت لقب "بنت الشاطئ" لأنّ أباها ما كان ليسمح لها أن تكتب باسمها الصريح. وهناك أيضا ملك حفني ناصف التي كانت توقع مقالاتها باسم "باحثة البادية". لكن يندر أو يغيب في التاريخ العربي أن نسمع بنساء استخدمن أسماء رجال للكتابة. أو لعلهن فعلن لكن لم يفصحن عن أنفسهن، أو لم يفطن إليهن أحد!
أمّا في تاريخ الأدب الأوربي، فنجد نساء اختفين خلف أسماء مستعارة رجالية. فهناك "ماري آن إيفانز" التي كانت تكتب باسم "جورج إليوت"، والروائية الشهيرة "شارلوت برونتي" نشرت أهم أعمالها "جين اير" باسم مستعار مذكّر، وكذلك فعلت شقيقتها "إيميلي برونتي" صاحبة رواية "مرتفعات وذرنغ" الشهيرة. كلهن فعلن ذلك توقيا من المناخ العام الذي كان يستتفه كتابات النساء ولا يتوقع منهن سوى كتابة القصص العاطفية.
* * * * *
اللافت أننا نجد اليوم الروائي الجزائري الذي يكتب بالفرنسية محمد ملسهول يسمّي نفسه "ياسمينة خضرا" وهو اسم زوجته، وهو اسم شاعري بالمناسبة. قد يكون هذا تقديرا لها، أو تجنبا للمؤاخذة في ظل عمله في الجيش. لكنْ، يظلّ أمرا لافتا أن يستخدم رجل اسما مستعارا مؤنثا، فما بالكم إذا كان الرجل عربي. وعلى الخط ذاته تقريبا، نجد الروائية التركية "إليف شَفَاك" تستعير نصف اسمها. فاسمها الحقيقي "إليف بيلغن"، وعوضا عن اسم عائلتها، استخدمت اسمَ والدتها الأول "شَفَاك" وهو اسم تركي يعني "فجر".
 
ماذا في جعبة الإنترنت؟
قضية الاسم المستعار تبرز اليوم بشكل آخر خارج نطاق عالم النشر التقليدي؛ في عالم الإنترنت حيث الاسم المستعار أمر مقبول، بل أنّ اتخاذ اسم مستعار -في بدايات الإنترنت على الأقل- كان هو الأمر المتعارف عليه. كما أن حقبة المدونات –التي شهدت طفرة كتابية- اتسمت برواج الأسماء المستعارة، إلى أن جاءت حقبة وسائط التواصل الاجتماعي التي نزعت إلى تفضيل الاسم الصريح على المستعار وإن كانت لا تُلزم به.
مع تطور مزايا النشر الشخصي عبر خدمة "لولو" وخدمة CreateSpace من أمازون وغيرهما، صار يمكن للكاتب أن يستغني عن الناشر التقليدي ويُصدر كتابه من الألف إلى الياء بنسخة إلكترونية بل وحتى بنسخ ورقية ويبيعه عبر المتاجر الإنترنتيّة. ورغم أن هذه التجربة لم تلق حظها من الشيوع في العالم العربي لأسباب عديدة ليس هذا مجال استعراضها، إلا أن ما يهمنا هو أننا سنجد هنا كتبا تشق أجواز الفضاء بمبيعاتها، كتبا ستكتب –أو سيكتب بعضها على الأقل- بأسماء مستعارة لأسباب مختلفة، أسماء قد لا يتحمس أصحابها في الكشف عن أسمائهم الحقيقية، لأنهم أسسوا بنيان شهرتهم على هذه الاسم. هو علامتهم التجارية، وأساس نجوميتهم.
هذا كله يخبرنا أن الاسم المستعار ما عاد شيئا من الماضي، بل من المستقبل. ولعل نزعة ما بعد الحداثة إلى الانقلاب والمفارقة تشجع على اتخاذ الأسماء المستعارة باعتبارها انقلابا على الثابت. وهنا علينا الترقب والمراقبة لنرى إلى أين يؤول مصير الاسم المستعار على الإنترنت.
 
"الاسم" قبل شجاعة الشجعان!
البادي أنّ السر كل السر يكمن في الاسم، هو سابقُ الجودة والشجاعة والإبداع، هو أولٌ وهي المَحل الثاني، مع الاستئذان من المتنبي. وإذا البعض يرى أن شرعية الأمر الواقع تعد أحد أنواع الشرعية، فأن هذه الشرعية في عالم النشر تتبدى لنا في صورة مقاربة؛ شرعية الشهرة، حيث ما يحرك القارئ للقراء هو اسم الكاتب ونجوميته. وهذا مبدئيا طبيعي، فمن قرأ لفلان وأعجبه ما كتب، سيتشوق للمزيد منه. لكن المشكلة أن يتحول الأمر إلى "توثين" للكاتب. هنا، يصير اسم الكاتب هو صانع القيمة لا محتوى الكتاب. هنا، يفترض القارئ بالعمل الجودة فقط لأن فلان هو كاتبه، ثم يجد لحكمه المسوغات. كما أنّ هذا خطير على المستوى النقدي، فالمحاولات النقدية الجادة لأي من أعمال الأديب-النجم تفسر تلقائيا أنها محاولات تسلّق على أكتاف مجده، أو نوع من غيرة أرباب الحرفة الواحدة.
صارت نجومية الكاتب جزءا من ثقافة "البوب" أو الثقافة الرائجة، ثقافة الطعام السريع، ثقافة القوالب الجاهزة المُعولمة. حتى تكون إنسانا عصريا و"كُول" يجب أن تشرب المشروب الغازي هذا، وتأكل وجبة غُثائية من مطعم الوجبات السريعة ذاك، وتستمتع إلى الأغاني الرائجة الهابطة، وتقرأ كتب فلان وإن حاكت في صدرك. وإلا، فأنت خارج الركب، وإلا، فأنت في مستنقع التخلف وحدك. أهلا بكم يا قومي في عصر الديكتاتورية الثقافية والأدبية!